هل نكرّر غفلة العثمانيين؟
حين ظهرت المطبعة في أوربا تجاهلها العثمانيون قرابة ثلاثة قرون. ودفعوا الثمن. فهل نفعل الشيء ذاته مع الذكاء الاصطناعي؟
حين رخُص الكتاب
في خمسينيات القرن الخامس عشر، طوّر الألماني يوهان قوتنبرق نظامًا للطباعة بحروف معدنية متحركة. قبله كان نسخ كتاب واحد يستغرق أشهرًا من عمل ناسخ متفرّغ. بعده صار في الإمكان طباعة مئات النسخ في أيام.
انتشرت المطابع في أوربا خلال عقود، فرخُص الكتاب ووصل إلى أيدٍ لم يكن ليصلها من قبل. تسارع بعدها كل شيء: عصر النهضة والإصلاح الديني والثورة العلمية. لكن ذلك التحوّل لم يصل إلى العالم الإسلامي إلا بعد نحو 280 عامًا.
لم يكونوا أغبياء
لم يكن العثمانيون معادين للتقنية. تبنّت الدولة العثمانية المدافع والبنادق قبل أن تنتشر في أوربا ذاتها، واستوردت البارود والتبغ دون تردّد. لكنها نظرت إلى المطبعة ولم ترَ فيها ما يستحق الاهتمام.
كانت المطبعة أداة صُمّمت للحرف اللاتيني. وبدا ما تُنتجه بالحروف العربية قبيحًا مقارنة بالمخطوط. لم يطلب أحد كتبًا مطبوعة، ولم يشكُ أحد من نقص الكتب. فغفلت الدولة عنها نحو 280 عامًا.
واللافت أن التقنية لم تكن بعيدة. أسّس يهود إسطنبول مطبعة بالحروف العبرية عام 1493 — في عهد السلطان بايزيد الثاني ذاته — وتلتها مطابع أرمنية عام 1567 ويونانية عام 1627. كانت المطبعة في الغرفة ذاتها. لكن أحدًا لم يظن أنها له.
أداة لم تُصنع لنا
احتاج الحرف العربي إلى نحو 900 قالب طباعي لتغطية أشكال الحروف المتصلة والمنفصلة، مقابل 150 تقريبًا للحرف اللاتيني. فكلفة الطباعة بالعربية بلغت أضعاف كلفتها باللاتينية، والنتيجة كانت أردأ.
وزاد الأمر سوءًا أن أول محاولة لطباعة المصحف — في البندقية عام 1537 — خرجت مليئة بالأخطاء، فلم يشترِها أحد وأغلقت المطبعة أبوابها. رسّخت تلك التجربة في الأذهان أن الطباعة والعربية لا تجتمعان.
وبعد أكثر من قرن، وصف المستشرق الفرنسي أنطوان قالاند ما شاهده في أسواق إسطنبول بين عامَي 1672 و1673: كتب مطبوعة في الطب يعلوها الغبار على الأرفف ولا يلتفت إليها أحد، بينما تُباع المخطوطة ذاتها بسهولة رغم ارتفاع ثمنها. ونظر الناس إلى الكتاب المطبوع بوصفه مُنتجًا رخيص القيمة.
كان الاستنتاج منطقيًّا: هذه الأداة ليست لنا. لكن الاستجابة الصحيحة لم تكن رفض الأداة بل الاستثمار في تطويرها حتى تعمل بالعربية كما عملت باللاتينية. لم يفعل ذلك أحد طوال 280 عامًا.
المقاومة
لم تقتصر الغفلة على السلطة. تضافرت ثلاث قوى لإبقاء المطبعة خارج العالم الإسلامي:
من خاف على رزقه. انتشر الناسخون والخطّاطون بأعداد ضخمة في إسطنبول، ذكر الرحّالة الإيطالي مارسيلي عشرات الآلاف منهم في أواخر القرن السابع عشر، وإن بالغ في الرقم. ولجأ هؤلاء إلى وسائل مبتكرة: أنتجوا مخطوطات أقل جودة وأرخص ثمنًا لمنافسة الكتاب المطبوع، بل ساروا إلى قصر السلطان حاملين نعشًا فيه أقلامهم ومحابرهم احتجاجًا. لم يكونوا رجعيين، إنما هم أصحاب مصلحة يدافعون عن أرزاقهم.
من خاف على سلطته. خشي علماء الدين أن تُسهّل المطبعة نشر كتب تطعن في العقيدة أو تكسر احتكارهم لتفسير النصوص الشرعية. وقد يكون السلطان بايزيد الثاني ذكيًّا في قراره حين قيّد الطباعة بالحروف العربية وأباحها لغير المسلمين بحرية. فبعد عقود زلزل الإصلاح البروتستانتي أوربا وكانت المطبعة وقود ذلك الزلزال. يشرح الاقتصادي جاريد روبن في كتابه «حكّام ودين وثروات» (Rulers, Religion, and Riches) أن علماء الدين كانوا الركيزة التي يستمدّ منها السلطان شرعيته، فهدّدت المطبعة تلك المعادلة من جذورها.
مجتمع لم يرَ الحاجة. أوضح المؤرخ فرانسيس روبنسون أن بنية التعليم الإسلامي قامت على الإسناد: نقل العلم شفهيًّا من شيخ إلى طالب في سلسلة متصلة. فمصداقية المعرفة ارتبطت بـ«مَن علّمك» لا بما طُبع في صفحة. كذلك فإن العلاقة بالقرآن الكريم قامت على التلاوة والحفظ والسماع أكثر من قيامها على القراءة من صفحة، ممّا أضعف الحاجة المُلحّة إلى نسخ مطبوعة. أتى الرفض من قاعدة المجتمع لا من قمّته.
غير أن غياب الطلب لا يعني غياب الحاجة.
3%
نسبة الإلمام بالقراءة بين مسلمي الدولة العثمانية مطلع القرن التاسع عشر
مقابل أربعين إلى ستين بالمئة في شمال غرب أوربا
ثمن الغفلة
حين حصل إبراهيم متفرقة على فرمان من السلطان أحمد الثالث عام 1727، لم يطبع إلا سبعة عشر كتابًا خلال ثلاثة عشر عامًا من العمل قبل أن تتوقف مطبعته عام 1742. كان ذلك متأخرًا بنحو ثلاثة قرون.
في تلك الأثناء، ذكر المؤرخ دونالد كواترت أن نسبة الإلمام بالقراءة بين مسلمي الدولة العثمانية لم تتجاوز ثلاثة بالمئة مع مطلع القرن التاسع عشر، في مقابل أربعين إلى ستين بالمئة في شمال غرب أوربا. وللسياق: لم تتجاوز النسبة في روسيا — التي تأخّرت هي أيضًا عن تبنّي المطبعة — خمسة بالمئة. فلم تكن الفجوة بين شرق وغرب، بل بين من تبنّى المطبعة ومن لم يتبنّها.
وأظهرت دراسة للاقتصادي جيريمايا ديتمار عام 2011 أن المدن الأوربية التي تبنّت المطبعة في القرن الخامس عشر نما عدد سكانها بمعدل يفوق نظيراتها بستين بالمئة. كذلك لخصت دراسة كمّية لبوقدان بوبيسكو وميرتشا بوبا عام 2022 — بعد تحليل بيانات 600 عام — إلى أن المناطق التي خضعت للحكم العثماني مدة أطول سجّلت معدلات إلمام بالقراءة أدنى بكثير حتى القرن العشرين.
أسهمت عوامل كثيرة في تراجع الدولة العثمانية، عسكرية واقتصادية وسياسية. لكن الفجوة المعرفية صعّبت اللحاق حتى صار شبه مستحيل.
الذكاء الاصطناعي: لا تغفل مرة أخرى
تتكرّر اليوم الأنماط ذاتها التي أبطأت العثمانيين قبل ثلاثة قرون لكن مع الذكاء الاصطناعي.
«ليست أداة لنا .» أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم — من أنثروبيك وأوبن إيه آي وغيرهما — تُبنى بالإنقليزية أولًا، تمامًا كما صُنعت المطبعة للحرف اللاتيني. وتتفوّق هذه النماذج في الإنقليزية على أدائها في العربية بفارق واضح. والأصعب أن الفجوة ستتسع: ستطلق هذه الشركات أجيالًا أقوى وأذكى، بينما نبقى نستخدم النسخ الأضعف ونتأخّر مع كل جيل جديد. لن يتغيّر ذلك ما لم نستثمر من الداخل في بناء نماذج تخدم لغتنا وسياقنا. لم يستثمر العثمانيون في تطوير المطبعة للعربية، فظلّوا ينتظرون أداة لم تأتِ. والسؤال اليوم: هل نستثمر في تطوير ذكاء اصطناعي يعمل لنا، أم ننتظر حتى يبنيه لنا غيرنا؟
«ستأخذ وظائفنا .» خاف الناسخون من المطبعة فحملوا نعشًا إلى قصر السلطان. واليوم يخاف مهنيون من أن يحلّ الذكاء الاصطناعي محلّهم. في الحالتين الخوف منطقي. لكن الناسخين الذين قاوموا المطبعة لم ينقذوا مهنتهم؛ أخّروا مجتمعهم. ليس الخطر أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتك، بل أن تعيش في مجتمع تأخّر لأنه خاف من التغيير.
«نحن في غنًى عنه .» نظر المجتمع العثماني إلى اقتصاد المخطوطات المزدهر وقال: لِمَ نغيّر؟ وتنظر مؤسسات اليوم إلى أنظمتها القائمة ولا ترى أزمة. غير أن العثمانيين أيضًا لم يروا أزمة حتى وصلت جيوش أوربية تغذّت على قرون من المعرفة والابتكار. غياب الأزمة ليس دليلًا على غياب الحاجة.
والاستثمار الحقيقي لا يعني أن نفتح أداة ونطرح عليها سؤالًا. يعني أن يستخدم المعلّم وكيلًا ذكيًّا لتصميم مسار تعليمي يناسب كل طالب، وأن يستعين الطبيب بوكيل يحلّل آلاف الأوراق البحثية ليلتقط ما قد يفوته. ويتطلّب أن تعيد المؤسسات تصميم طريقة عملها من الأساس، لا أن تضيف أداة ذكاء اصطناعي على هامش عمل قديم.
لم يرفض العثمانيون المطبعة. لكنهم لم يستثمروا في تحويلها إلى أداة تخدمهم.
ظلّت التقنية في الغرفة 236 عامًا ولم يلتقطها أحد.
الذكاء الاصطناعي في أيدينا الآن. ماذا سنفعل به؟

أنا ممدوح، مهندس ذكاء إصطناعي واحب ابني منتجات تحل مشاكلي. أساهم ببناء أكبر مكتبة محتوى عربي في ثمانية.